مجمع البحوث الاسلامية
90
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الغير ، وما يكون كذلك فهو محدث وحادث . وأمّا الوجه الثّالث في بيان استدلال القوم أن قالوا : إنّ قوله : أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يقتضي أن يكون هو من جنس سائر الأحاديث ، كما أنّ قوله : زيد أفضل الإخوة ، يقتضي أن يكون زيد مشاركا لأولئك الأقوام في صفة الأخّوة ويكون من جنسهم ؛ فثبت أنّ القرآن من جنس سائر الأحاديث ، ولمّا كان سائر الأحاديث حادثة ، وجب أيضا أن يكون القرآن حادثا . وأمّا الوجه الرّابع في الاستدلال أن قالوا : إنّه تعالى وصفه بكونه كتابا والكتاب مشتقّ من « الكتبة » وهي الاجتماع ، وهذا يدلّ على أنّه مجموع جامع ومحلّ تصرّف متصرّف ؛ وذلك يدلّ على كونه محدثا . والجواب أن نقول : نحمل هذا الدّليل على الكلام المؤلّف من الحروف والأصوات والألفاظ والعبارات ، وذلك الكلام عندنا محدث مخلوق ، واللّه أعلم . المسألة الثّانية : كون القرآن أحسن الحديث إمّا أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه أو بحسب معناه . القسم الأوّل : أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه ؛ وذلك من وجهين : الأوّل : أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة . الثّاني : أن يكون بحسب النّظم في الأسلوب ؛ وذلك لأنّ القرآن ليس من جنس الشّعر ، ولا من جنس الخطب ، ولا من جنس الرّسائل ، بل هو نوع يخالف الكلّ ، مع أنّ كلّ ذي طبع سليم يستطيبه ويستلذّه . القسم الثّاني : أن يكون كونه أحسن الحديث لأجل المعنى ، وفيه وجوه : الأوّل : أنّه كتاب منزّه عن التّناقض ، كما قال تعالى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً النّساء : 82 ، ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التّناقض كان ذلك من المعجزات . الوجه الثّاني : اشتماله على الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل . الوجه الثّالث : أنّ العلوم الموجودة فيه كثيرة جدّا . وضبط هذه العلوم أن نقول : العلوم النّافعة هي ما ذكره اللّه في كتابه ، في قوله : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ البقرة : 285 ، فهذا أحسن ضبط يمكن ذكره للعلوم النّافعة . ( 26 : 267 ) القرطبيّ : الحديث : ما يحدّث به المحدّث ، وسمّي القرآن حديثا ، لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يحدّث به أصحابه وقومه . [ ثمّ ذكر جملة من الآيات بشأن القرآن ] ( 15 : 249 ) الشّربينيّ : أي القرآن . . . وكونه أحسن الحديث لوجهين : أحدهما : من جهة اللّفظ ، والآخر من جهة المعنى . أمّا الأوّل فلأنّ القرآن أفصح الكلام وأبلغه وأجزله ، وليس هو من جنس الشّعر ولا من جنس الخطب ، ولا من جنس الرّسائل ، بل هو نوع يخالف الكلّ في أسلوبه ، مع أنّ كلّ طبع سليم يستلذّه ويستطيبه . وأمّا من جهة المعنى فهو منزّه عن التّناقض